اليوم الثاني من Paris Haute Couture Week.. حكايات تُروى بالأزياء

لم يكن اليوم الثاني من أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف 2026 مجرد استعراض لفساتين فاخرة أو تقنيات خياطة متقنة، بل بدا وكأنه سلسلة من الحكايات التي روتها دور الأزياء بلغتها الخاصة. فمن الخيال والأساطير، إلى الموسيقى والذكريات، مرورًا بالاستدامة والفن، أثبتت عروض هذا اليوم أن الهوت كوتور لم تعد تُقاس بعدد ساعات العمل اليدوي فقط، بل بقدرتها على إثارة المشاعر وصناعة تجربة بصرية وفكرية متكاملة.

Chanel.. توقيع Matthieu Blazy

افتتحت شانيل اليوم بمجموعة حملت توقيع ماثيو بلازي، الذي اختار أن يغوص في عالم القصص الخيالية وسيرة كوكو شانيل ليقدم رؤية تمزج بين الخيال والحرفية الراقية. امتلأت التصاميم بتفاصيل مستوحاة من الطبيعة، من التطريزات النباتية والزهور ثلاثية الأبعاد إلى الأزرار التي جاءت على هيئة حشرات، بينما حافظت الدار على فلسفتها التي ترى أن قيمة الأزياء الراقية تكمن في التفاصيل الدقيقة أكثر من الاستعراض. وأكملت الحقائب الصغيرة المستوحاة من الحيوانات والأحذية ذات الكعوب المنحوتة المشهد، لتمنح المجموعة طابعًا ساحرًا يجمع بين الكلاسيكية والابتكار.

Alexis Mabille

أما Alexis Mabille، فاختار أن يجعل عنصر المفاجأة بطل عرضه. إذ تحولت كل إطلالة أمام الجمهور إلى تصميم جديد بالكامل، في استعراض هندسي يعكس براعة التنفيذ ودقة البناء. بدأت القطع بألوان سوداء هادئة قبل أن تكشف عن فساتين براقة غنية بالتطريزات والترتر والألوان الزاهية، في فكرة جسدت ازدواجية الشخصية، وقدمت مفهومًا جديدًا يجمع بين العملية والإبداع داخل قطعة واحدة.

Stéphane Rolland

ومن عالم التحولات إلى عالم الذكريات، قدّم Stéphane Rolland عرضًا حمل الكثير من المشاعر، مكرسًا مجموعته للمغنية الراحلة داليدا في الذكرى الأربعين لوفاتها. سيطر اللون الأبيض على التصاميم، في تعبير عن النقاء والرقي، بينما تنوعت القصات بين الانسيابية والبناء النحتي. وزُينت الإطلالات بالأحجار الكريمة والكريستال والريش، قبل أن يختتم العرض بأداء غنائي حي أضفى بعدًا إنسانيًا وعاطفيًا على التجربة بأكملها.

Ronald van der Kemp

وفي اتجاه مختلف، خرج Ronald van der Kemp بالأزياء الراقية من صالات العرض المغلقة إلى شوارع باريس، مؤكدًا أن الكوتور يمكن أن يكون قريبًا من الناس بقدر ما هو فاخر. اعتمد المصمم على خامات معاد تدويرها وتقنيات مبتكرة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، ليقدم تصاميم تجمع بين الطابع الفني والاستدامة. ورغم اختلاف الخامات والأساليب، حافظت المجموعة على رسالة واضحة مفادها أن الإبداع الحقيقي يبدأ بإعادة اكتشاف ما نملكه بالفعل.

Kévin Germanier

وتواصل هذا التوجه مع Kévin Germanier، الذي واصل ترسيخ مفهوم الاستدامة في الأزياء الراقية، مستخدمًا بقايا الأقمشة والخرز والمواد المعاد تدويرها لإنتاج تصاميم جريئة تنبض بالحيوية. ورغم اعتماده هذا الموسم على لوحة ألوان أكثر هدوءًا، فإن المجموعة احتفظت بروحها المرحة من خلال القصات الجريئة والتفاصيل ثلاثية الأبعاد، مؤكدة أن الابتكار لا يحتاج دائمًا إلى خامات جديدة، بل إلى رؤية مختلفة.

Giorgio Armani Privé.. توقيع Silvana Armani

وفي المقابل، قدمت Silvana Armani أولى خطواتها الواثقة في ترسيخ هوية Giorgio Armani Privé بعد رحيل جورجيو أرماني، من خلال مجموعة احتفت بالأناقة العملية. جاءت السراويل الفاخرة محور التصاميم، إلى جانب البدلات والفساتين ذات الخطوط الهندسية الهادئة، فيما أضفت درجات الأزرق الليلي والأخضر والأسود مع لمسات الكريستال إحساسًا بالرقي الذي طالما ارتبط باسم الدار، لتؤكد أن البساطة المدروسة تظل إحدى أقوى صور الفخامة.

Ashi Studio.. توقيع Mohammed Ashi

واختتم Ashi Studio عروض اليوم الثاني بمجموعة غلبت عليها الدراما المسرحية والإيحاءات التاريخية. استلهم محمد آشي تصاميمه من عصر النهضة والحفلات التنكرية، وجعل فكرة الأقنعة محورًا بصريًا وفلسفيًا للمجموعة، في إشارة إلى تعدد الهويات والوجوه الإنسانية. وجاءت القصات النحتية والأحجام الدرامية لتؤكد نضج رؤية الدار وقدرتها على تحويل الأزياء الراقية إلى عمل فني يحمل رسالة تتجاوز حدود الموضة.

بهذا التنوع اللافت، أثبت اليوم الثاني من أسبوع باريس للهوت كوتور أن مستقبل الأزياء الراقية لا يسير في اتجاه واحد، بل يتسع لكل الأفكار؛ من الخيال والرومانسية إلى الاستدامة والابتكار، ومن الحنين إلى الماضي إلى البحث عن لغة جديدة تعكس روح العصر، دون أن تتخلى عن الحرفية التي تجعل الكوتور فنًا لا يشبه أي مجال آخر.